حين جفّ المرعى قبل أن يجفّ القطيع

  • بتاريخ : مايو 29, 2026 - 5:32 م
  • الزيارات : 350
  • منبع الصحراء المغربية جريدة مغربية إخبارية وموقع إلكتروني شامل ومتجدد على مدار الساعة . 24\24

    متابعة تياماني عزيز

    حين جفّ المرعى قبل أن يجفّ القطيع

    تشريح صامت لأزمة أضاحي كشفت المستور

    لم يكن اختفاء القطيع من الأسواق وليد موسم جفاف عابر، ولا نتيجة ظرفية لغلاء الأعلاف فقط، بل هو الفصل الأخير في قصة طويلة من القرارات الصامتة التي غيّرت وجه البادية دون أن ينتبه أحد. قصة بدأت حين اختلّ الميزان بين الأرض ومن يعيش منها، وبين السياسات ومن تُفترض خدمتهم.

    في القرى، حيث كان الخروف يُربّى كادخارٍ عائلي لا كسلعة مضاربة، لم يعد الرعي كما كان. المساحات التي كانت تمتد بلا سياج، وتكفي القطيع لعام كامل، تقلّصت فجأة. لا لشيء، سوى لأن الأرض تغيّر اسمها: من “رعوية” إلى “قابلة للتفويت”، ومن مورد جماعي إلى مشروع خاص.

    لم يُسأل الكسّاب الصغير حين أُعيد رسم الخريطة، ولم يُستشر الفلاح حين تغيّرت الأولويات. هكذا، وجد نفسه محاصرًا: مرعى أقل، كلفة أعلى، ودعم لا يصل. ومع كل موسم جفاف، كان الحل الأسهل هو بيع جزء من القطيع، ثم جزء آخر، إلى أن صار القطيع كله ذكرى.

    في المقابل، كان الخطاب الرسمي يتحدث عن “عصرنة الفلاحة” و”رفع المردودية”، لكن بلغة الأرقام لا بلغة البشر. استثمارات كبرى، ضيعات ضخمة، صادرات قياسية… بينما في الهامش، كان الكسّاب يغادر المهنة بصمت، واحدًا تلو الآخر، دون ضجيج، ودون بديل.

    ومع غياب الرعي، تغيّر كل شيء. الأعلاف المستوردة أصبحت قدرًا يوميًا، والأسعار انفلتت من أي منطق. لم تعد الأضحية نتاج دورة طبيعية، بل نتيجة معادلة تجارية معقّدة، يدفع ثمنها المستهلك في النهاية.

    الأخطر من ذلك، أن الأراضي السلالية، التي كانت تمثل توازنًا اجتماعيًا واقتصاديًا دقيقًا، لم تُهدر فقط، بل أُفرغت من وظيفتها. حين تُسحب الأرض من أهلها دون أن تُسحب المسؤولية من من قرر، تكون النتيجة أزمة مركبة: اقتصادية، اجتماعية، وأخلاقية.

    اليوم، لا تكمن الأزمة في ثمن الخروف، بل في غياب الرؤية. في سياسات لم تطرح يومًا سؤال: من يحمي القطيع؟ من يحمي المرعى؟ ومن يحمي من يعيش بينهما؟

    لقد كُشف الغطاء، وبات واضحًا أن الأمن الغذائي لا يُبنى بالمخططات وحدها، بل بالعدالة في توزيع الأرض والدعم والفرص.

    وما يحدث اليوم في المغرب ليس أزمة عيد، بل إنذار مبكر:

    إما إعادة الاعتبار للفلاح الصغير والكسّاب،

    أو الاستعداد لمواسم قادمة بلا قطيع… وبلا توازن.