حين تكتب مدينة تاريخها بالكاميرا

  • بتاريخ : مايو 30, 2026 - 3:23 م
  • الزيارات : 186
  • منبع الصحراء المغربية جريدة مغربية إخبارية وموقع إلكتروني شامل ومتجدد على مدار الساعة . 24\24

    متابعة عزيز تياماني

    ليس سهلًا أن تستمر مدينة خارج العواصم في حمل مشروع ثقافي قارّي لأكثر من أربعة عقود. الأصعب من ذلك أن تحوّل هذا المشروع إلى جزء من هويتها. خريبكة فعلت الأمرين معًا، دون ضجيج، ودون ادّعاء الريادة، بل بإصرار يشبه إصرار السينما نفسها على البقاء.

    صدور كتاب خريبكة… قلعة السينما الإفريقية لعبد العزيز ثلاث، بالتزامن مع دورة جديدة من المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، ليس حدثًا ثقافيًا معزولًا، بل لحظة مساءلة: ماذا يعني أن تصمد فكرة السينما الإفريقية في زمن السرعة والمنصات؟ وكيف تحولت مدينة الفوسفاط إلى مرجع سينمائي قارّي؟

    الكتاب لا يشتغل بمنطق التوثيق البارد، ولا يقدم أرشيفًا محايدًا للصور والتواريخ. إنه أشبه بسردية ثقافية تُفكك علاقة المدينة بالسينما، وتكشف كيف لم يكن المهرجان تظاهرة موسمية، بل اختيارًا ثقافيًا طويل النفس، راهن على إفريقيا حين كانت غائبة عن شاشات العالم.

    منذ دوراته الأولى، لم يكن مهرجان خريبكة يبحث عن النجومية، بل عن المعنى. استضاف أفلامًا تُناقش الاستعمار، الهوية، الهجرة، الذاكرة، والإنسان الإفريقي في لحظات انكساره وأسئلته. وهنا تحديدًا تكمن خصوصيته: السينما لم تكن زينة ثقافية، بل أداة تفكير جماعي.

    عبد العزيز ثلاث يضع القارئ أمام حقيقة غالبًا ما يتم تجاهلها: أن المهرجان لم يصمد بفضل وفرة الإمكانيات، بل بفضل الإيمان. إيمان المنظمين، والسينمائيين، والجمهور، بأن القاعة السينمائية يمكن أن تكون فضاءً للنقاش، وليس مجرد مكان للفرجة.

    الكتاب لا يُجمّل الصورة. يتحدث عن التحولات، عن تراجع الاهتمام الجماهيري أحيانًا، عن صعوبة منافسة المنصات الرقمية، وعن سؤال الاستمرارية في زمن تتغير فيه أولويات الثقافة. لكنه، في المقابل، يؤكد أن السينما الإفريقية ما زالت بحاجة إلى فضاءات مثل خريبكة، حيث يُشاهد الفيلم كفعل ثقافي لا كمحتوى عابر.

    في العمق، هذا الكتاب ليس عن مهرجان فقط، بل عن مدينة اختارت أن تكون جزءًا من ذاكرة القارة. عن خريبكة التي كتبت اسمها بالكاميرا، وثبّتته في تاريخ السينما الإفريقية دون أن تنتظر تصفيقًا.

    هنا، لا تُعرض الأفلام فقط…

    هنا، تُصان الذاكرة.