
بقلم : نورالدين لماع
حينما تراقص الريشة بياض اللوحة: سيرة الشغف واللون
في ركن هادئ، حيث يمتزج ضوء النهار الخافت برائحة ألوان الزيت العتيقة، يجلس الفنان التشكيلي عبد الجبار بوهلال بالمكان الذي خصصه حبا إنشغاله مع لوحاته الفنية المميزة ، لا ضجيج ولا صوت فيه سوى دقات قلب الفنان المتسارعة، وصوت أنفاسه التي تتردد مع كل حركة. أمامه، تقف اللوحة البيضاء ، كصفحة بيضاء تنتظر قصة.
حمل الفنان عبد الجبار بوهلال الريشة
بين أنامله، لا يمسك الفنان مجرد عصا خشبية ذات شعيرات؛ إنه يمسك بزمام خياله. الريشة هنا هي “الواسطة” بين عالمين ، عالم الأفكار والمشاعر، وعالم اللون والخط. يغمس الريشة في مزيج من الألوان التي اختارها بعناية، ألوان تعكس حالته الوجدانية – ربما أزرق ، أو أصفر مفعم بالأمل، أو أحمر صارخ – ثم يشرع في الرسم.

رقصة اللون على القماش
تبدأ الرحلة. لمسة أولى، خفيفة وحذرة، ترسم الخطوط الأولية. الريشة تراقص السطح، تتحرك بانسيابية، تارة بضغط خفيف لتكوين مساحات ناعمة، وتارة بضغط أقوى ليترك اللون نسيجاً خشناً يعبر عن أشياء كثيرة . الفنان عبد الجبار بوهلال، لا يرسم فقط ما يراه، بل يرسم ما يشعر به، محولاً بياض اللوحة إلى تجسيد للمشاعر (تعبيرية) أو إلى حكاية واقعية .
صراع الفن والإبداع
الفنان التشكيلي عبد الجبار بوهلال لا يقلد الواقع كما هو، بل يفككه ويعيد تشكيله. قد يغمس ريشته في مزيج من الحزن والفرح، يصب كل ذلك على القماش، مستودعاً الخطوط والألوان أسراره. اللحظة التي يشرع فيها بالرسم هي لحظة مقاومة للأفكار النمطية، ومحاولة لصناعة الجمال من العدم.
الريشة كشاهد على الزمن .

في كل ضربة ريشة، يترك الفنان عبد الجبار بوهلال جزءاً من روحه. اللوحة ليست مجرد زينة، بل هي وثيقة تعبر عن رؤيته، هويته، وثقافته ووفائه . عندما يميل الفنان برأسه متأملاً ما أنجزته يداه، يدرك أن الريشة لم تكن مجرد أداة، بل كانت شريكاً في خلق عالم خاص لا يدخله سواه، عالم يستطيع فيه أن يكون صادقاً مع نفسه.
يضع الفنان عبد الجبار بوهلال ريشته جانباً، لتستريح قليلاً بعد أن أدت رسالتها. ينظر إلى اللوحة، وقد تحول البياض إلى مشهد ينبض بالحياة، يهمس بكلمات لا يسمعها إلا من يملك عيناً بصرية وقلباً نافذاً، تاركاً للون أن يحكي حكاية فنان حمل الريشة.. فصنع الحياة .














إرسال تعليق