الصحراء المغربية: التنمية الترابية والسيادة والانتقال المستدام في صلب أطروحة لافتة

  • بتاريخ : يوليو 14, 2026 - 4:34 م
  • الزيارات : 10
  • الصحراء المغربية: التنمية الترابية والسيادة والانتقال المستدام في صلب أطروحة لافتة

     

    بمناسبة مناقشة أطروحة الماستر، التي جرت يوم الثلاثاء 07/07/2026 بكلية حسن الثاني عين الشق بالدار البيضاء، تحت عنوان «السياسات الترابية المندمجة للتنمية المستدامة بالصحراء المغربية ومتطلبات الامتثال للتشريع البيئي»، يبرز عملٌ بحثيٌّ يتميز بعمق مقاربته وفرادتها. ويندرج هذا البحث في إطار الماستر في القانون الدولي والمرافعة الدبلوماسية، حيث يجمع بين القانون والحكامة الترابية والهندسة والقضايا البيئية في قراءة معمقة لموضوع استراتيجي بالنسبة للمغرب، أنجزه السيد عبد الصمد النبار، مهندس، وباحث قانوني، وعضو المعهد المغربي للعلاقات الدولية.

     

    تحتل الصحراء المغربية، منذ عقود، مكانة مركزية في التاريخ السياسي للمملكة وفي الدفاع عن وحدتها الترابية. فمن الرؤية المؤسسة لجلالة المغفور له محمد الخامس، مرورًا بـالمسيرة الخضراء التي أطلقها جلالة المغفور له الحسن الثاني، وصولًا إلى المقاربة المهيكلة التي يقودها جلالة الملك محمد السادس، انتقلت قضية الصحراء من بعدها السياسي الصرف إلى كونها رافعة للتنمية والاستقرار والإشعاع الإقليمي. وقد شكّل إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية سنة 2015 محطة مفصلية، كرّست رؤية طموحة قائمة على الاستثمار والاندماج الترابي وتثمين المؤهلات المحلية.

     

    وفي السياق الدولي، تندرج هذه الدينامية ضمن بيئة متحولة باستمرار. فقد مدّد قرار مجلس الأمن 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، ولاية بعثة المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2026، كما أخذ بعين الاعتبار مقترح الحكم الذاتي المغربي لسنة 2007 باعتباره أرضية جدية وذات مصداقية لمواصلة المسار التفاوضي. ويؤكد هذا التطور الحضور المتزايد للمقاربة المغربية القائمة على الواقعية والمسؤولية والبحث عن حلول مستدامة.

    لكن هذه الأطروحة تذهب أبعد من ذلك، إذ تُظهر أن تنمية الصحراء المغربية لا يمكن اختزالها في النمو الاقتصادي أو في تشييد البنيات التحتية فقط، بل ينبغي أن تستجيب أيضًا لمقتضيات القانون الدولي للبيئة، الذي أصبح عبر العقود إطارًا مرجعيًا لا غنى عنه في صياغة السياسات العمومية. فمنذ مؤتمر ستوكهولم سنة 1972، وتقرير برونتلاند سنة 1987، وقمة ريو سنة 1992، وصولًا إلى اتفاق باريس سنة 2015، ترسخ مبدأ التنمية المستدامة بوصفه قاعدة حاكمة تُلزم الدول بالموازنة بين التقدم الاقتصادي والعدالة الترابية وحماية الموارد الطبيعية.

    وتكمن أهمية هذه الدراسة أيضًا في المسار المتعدد التخصصات لصاحبها. فهو مهندس في مجال البنيات التحتية وهندسة الماء، وفاعل جمعوي مهتم بالقضايا البيئية، وخريج القانون العام بتخصص الحكامة الترابية. هذا المسار المتكامل يمنحه قدرة خاصة على مقاربة الإشكالات الترابية برؤية تجمع بين التحليل التقني والقراءة القانونية، مع حسٍّ بيئيٍّ ووعيٍ ميدانيٍّ يجعلان تحليله أكثر عمقًا وواقعية. ومن هنا، تكتسب الدراسة قيمة مضافة واضحة على مستوى الفهم والتأويل والتطبيق.

    وتسلّط الدراسة الضوء كذلك على التحديات التي تواجه السياسات العمومية بالأقاليم الجنوبية، في ظل مشاريع كبرى مثل ميناء الداخلة الأطلسي، ومحطة تحلية مياه البحر بالداخلة، والمشاريع الطاقية من قبيل مشروع نور. وهي مشاريع تعكس إرادة قوية في التحديث والتنمية، لكنها تفرض في المقابل ضرورة اعتماد حكامة بيئية صارمة، وتقييم دقيق للآثار، وتخطيط منسجم يحافظ على النظم البيئية الهشة والموارد المحدودة.

     

    وفي الخلاصة، تؤكد هذه الأطروحة أن مستقبل الصحراء المغربية يقوم على معادلة دقيقة تجمع بين السيادة الترابية والتنمية المستدامة والامتثال للمعايير البيئية. وهي تدعو إلى فعل عمومي أكثر تنسيقًا، مدعوم بالرقمنة والذكاء الاصطناعي، وببناء الكفاءات المحلية، وتوسيع الشراكات الجامعية، وتثمين المؤهلات الجهوية. إنها، قبل كل شيء، مساهمة علمية ومهنية في بناء مجالات ترابية أكثر صمودًا وشمولًا واستدامة.