مأساة الطرد الجماعي للمغاربة من الجزائر عام 1975: جرح في الذاكرة لا يندمل

  • بتاريخ : يونيو 8, 2025 - 5:26 م
  • الزيارات : 205
  • منبع الصحراء المغربية جريدة مستقلة شاملة وموقع إلكتروني شامل 24\24

     

    بقلم: الاكسيلانس كريم الزهراوي

     

    في صباح يوم عيد الأضحى المبارك عام 1975، بينما كانت مظاهر الفرح والاحتفال تعم شوارع الجزائر ومدنها، عاش عشرات الآلاف من المغاربة المقيمين على أرض الجزائر تجربة قاسية ومؤلمة، تجربة لا تزال راسخة بقوة في ذاكرتهم وذاكرة أبنائهم وأحفادهم: الطرد الجماعي القسري الذي استهدف جميع الفئات العمرية والاجتماعية، دون استثناء.

     

    ■ جرح غائر في الذاكرة الوطنية

     

    لم يكن عام 1975 مجرد رقم في التقويم، أو تاريخًا عاديًا يمكن تجاوزه، بل كان بمثابة صدمة عنيفة وقوية هزت كيان آلاف الأسر المغربية التي وجدت نفسها، بين ليلة وضحاها، مجبرة قسرًا على مغادرة منازلها التي استقرت فيها لعقود طويلة، وتركت فيها ذكريات لا تُحصى. فبموجب قرار إداري مفاجئ وغير متوقع، اختُزلت حياتهم بكل ما فيها من تفاصيل وذكريات إلى حقيبة سفر صغيرة لا تتسع إلا لبعض المتعلقات الشخصية الضرورية، وذكريات حبيسة في زوايا الذاكرة، ذكريات لا يمكن محوها مهما طال الزمن.

     

    ■ سياسة انتقامية على حساب الإنسانية

     

    في ذروة الخلافات السياسية الحادة بين المغرب والجزائر حول قضية الصحراء، اتخذ النظام الجزائري آنذاك قرارًا غير مسبوق في العلاقات بين الدول المتجاورة، قرارًا تجرّد من كل القيم الإنسانية والأخلاقية، وتمثل في طرد جماعي منظم لأكثر من 45 ألف أسرة مغربية، أي ما يناهز 350 ألف شخص، في خطوة انتقامية واضحة تجاهلت الروابط الاجتماعية والإنسانية والثقافية التي جمعت الشعبين الشقيقين لقرون طويلة. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة خنجر مسموم طعن في خاصرة العلاقات الأخوية بين الشعبين.

     

    ■ أمر بالإخلاء الفوري دون سابق إنذار

     

    بصورة مفاجئة وصادمة، ودون سابق إنذار أو إشعار مسبق، صدرت الأوامر العسكرية والأمنية بترحيل المغاربة المقيمين في الجزائر على الفور، ودون إمهالهم الوقت الكافي لتصفية ممتلكاتهم التي جمعوها طوال سنوات عملهم وكدهم، أو توديع أحبائهم وأصدقائهم وجيرانهم الذين شاركوهم الأفراح والأتراح. يقول أحد المرحّلين، وهو يتذكر تلك اللحظات المؤلمة: “كنت أعمل نجارًا بسيطًا في الجزائر العاصمة، أعيش بسلام وأمان مع أسرتي، ولم يخطر ببالي أبدًا، ولا حتى في أسوأ كوابيسي، أن يتم إخراجي من بيتي بهذه الطريقة المهينة والمذلة. تركت كل شيء ورائي: أدواتي التي كانت مصدر رزقي، صوري العائلية التي تحمل ذكريات لا تقدر بثمن، كتبي التي كانت غذاء روحي… وحتى جزءًا كبيرًا من روحي تركته هناك”.

     

    ■ فصول من المعاناة الإنسانية المستمرة إلى اليوم

     

    تروي حليمة، وهي سيدة مغربية كانت تبلغ من العمر خمسة عشر عامًا فقط آنذاك، بمرارة وأسى: “في لحظة واحدة، وبسبب هذا القرار الجائر، انفصلت عن إخوتي وأخواتي. تشتتنا في كل مكان، عاد بعضنا إلى المغرب، وبقي آخرون عالقين في الجزائر لا يستطيعون العودة. لم نلتقِ منذ ذلك الحين، ولا أعرف عنهم شيئًا”. حليمة لم ترَ إخوتها مجددًا بعد ذلك اليوم المشؤوم، ولم تعد أبدًا إلى منزل طفولتها الذي يحمل أجمل ذكرياتها. ولا تزال تعيش على أمل لقائهم يومًا ما.

     

    ■ حقوق مهدرة وكرامة منتهكة

     

    لم يتمكن أي من الضحايا الذين طالهم قرار الطرد التعسفي من استعادة ممتلكاته وأمواله التي تركوها خلفهم في الجزائر، أو الحصول على تعويض عادل وجبر الضرر الذي لحق بهم. بل مُنعوا حتى من سحب مدخراتهم البسيطة من البنوك الجزائرية. لقد كانت صدمة جماعية تركت آثارًا نفسية واجتماعية عميقة لا تُمحى على الضحايا وعائلاتهم. وعلى الجانب الرسمي، لم تقدم الحكومة الجزائرية أي اعتذار رسمي أو اعتراف صريح بالظلم والضرر الذي لحق بهؤلاء الأفراد الأبرياء.

     

    ■ ذاكرة وطنية… ونداء إنساني للعدالة

     

    على الرغم من مرور ما يقارب نصف قرن على هذه المأساة الإنسانية، لم يستطع المغاربة، ولا الأجيال المتعاقبة، أن يمحوا تلك المحنة القاسية من ذاكرتهم الجماعية. فصمت السياسة وتقادم الزمن لا يمكن أن يطمس وجع الذاكرة، ولا أن يمحو آثار الظلم. ولا تزال جمعيات المجتمع المدني المغربي، والمنظمات الحقوقية والإنسانية، تطالب بالإنصاف وجبر الضرر المادي والمعنوي للضحايا، مؤكدة أن “الظلم لا يُمحى بالتقادم، بل بالاعتراف الصريح والواضح بالخطأ والتعويض العادل والمنصف للضحايا”.

     

    ■ لن ننسى هذه المأساة أبدًا

     

    إن الطرد الجماعي للمغاربة من الجزائر عام 1975 يمثل وصمة عار في تاريخ العلاقات بين البلدين الجارين. وهو حدث مأساوي يثير تساؤلات أخلاقية عميقة حول إمكانية تدمير حياة الأفراد الأبرياء بسبب الخلافات السياسية العابرة، وكيف يمكن لبلد جار أن يقدم على طرد من عاش على أرضه لعقود طويلة، وعمل واجتهد وساهم في بناء الوطن، دون مراعاة لأبسط مبادئ الرحمة والإنسانية وحسن الجوار.

     

    نسطر هذه الكلمات اليوم، ونسجل هذه الشهادة التاريخية، لكي لا يضيع هذا الفصل المأساوي والمؤلم من التاريخ في طي النسيان والإهمال. نكتب لتبقى الجراح مفتوحة، وليكون الاعتراف بالخطأ والتعويض العادل عنه خطوة أولى ضرورية ومهمة نحو المصالحة الحقيقية والدائمة بين الشعبين الشقيقين.